أبو حامد الغزالي
67
تهافت الفلاسفة
والأمر بالصلاة عنده ؛ والشرع الذي يأمر بالصلاة عند الزوال والغروب والطلوع ، من أين يبعد منه أن يأمر عند الكسوف بها استحبابا ؟ فإن قيل : فقد روى أنه قال في آخر الحديث : « ولكن اللّه إذا تجلى لشئ خضع له » ، فيدل على أن الكسوف خضوع بسبب التجلي ؛ قلنا هذه الزيادة لم يصح نقلها ، فيجب تكذيب ناقلها ؛ وإنما المروى ما ذكرناه ، كيف ، ولو كان صحيحا ، لكان تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية ، فكم من ظواهر أولت بالأدلة العقلية التي لا تنتهى في الوضوح إلى هذا الحد . وأعظم ما يفرح به الملاحدة ، أن يصرح ناصر الشرع ، بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع ، فيسهل عليه طريق إبطال الشرع ، إن كان شرطه أمثال ذلك . وهذا « 1 » لأن البحث في العالم عن « 2 » كونه حادثا أو قديما ، ثم إذا ثبت حدوثه فسواء كان كرة ، أو بسيطا « 3 » أو مسدسا ، أم مثمنا ؛ وسواء كانت السماوات وما تحتها ثلاث عشرة طبقة - كما قالوه - أو أقل أو أكثر ؛ فنسبة النظر فيه « 4 » إلى البحث الإلهى ، كنسبة النظر إلى طبقات البصلة وعددها ، وعدد حب الرمان ؛ فالمقصود كونه من فعل اللّه فقط كيفما كان . القسم الثالث : ما يتعلق النزاع فيه بأصل من أصول الدين ، كالقول في حدوث العالم ، وصفات الصانع ، وبيان حشر الأجساد والأبدان ؛ وقد أنكروا جميع ذلك . فهذا الفن ونظائره هو الذي ينبغي أن يظهر فساد مذهبهم فيه دون ما عداه . * * *
--> ( 1 ) أي انصرافنا عن مناقشتهم في أمثال هذه المسائل . ( 2 ) أي أن البحث الذي يهمه في شأن العالم إنما يكون عن هذه النقطة فقط وهي كونه حادثا أو قديما . ( 3 ) يعنى مبسوطا . ( 4 ) أي في هذا التفريع والتفصيل .